وينفلت من أضواء الصباح شعاع إلي كل دار، فيستيقظ جميع من فيها، وكأنما يغسل هذا الشعاع غبار النوم من عيونهم، وتبادر فتاة كل دار، فتحمل علي رأسها البلاص خاويا، وهو جرة كبيرة من الفخار لها عروتان. وتنادي الفتاة بعض رفيقاتها فيسرن معًا وعلي رؤوسهن البلاليص أو تلك الجرار الكبيرة، ويمضين إلي الترعة فيملأن جرارهن، ويضعنها علي رؤوسهن في وضع محكم غاية الإحكام، وكأنما وضعت بميزان لا يحيف ولا يجور أبدًا، وهن لذلك لا يمسكن بها، إذ لا تميل يمنة ولا يسرة، فقد أصبح ثباتها علي رؤوسهن كأنه جوهر دخل في تركيبها. وفي أثناء سيرهن يتحدثن ويتضاحكن، حتي تصل كل منهن إلي دارها، فتدفع بجرتها إلي زير مُعد لذلك تجد فيه أسرتها حاجتها للشرب والري طوال النهار. وهو منظر مألوف في قري مصر حتي اليوم، منظر بديع، إذ تري الفتيات يحملن في الصباح الباكر هذه الجرار الكبيرة المليئة بالماء، وكل فتاة تختال في مشيتها، كأنما تريد أن تعلن إلي أبويها وأهلها أنها ستظل دائمًا ترعاهم وتحمل إليهم ــ ما استطاعت ــ الشراب والغذاء.
وكل ذلك قبيل شروق الشمس، حتي إذا أطلت من الأفق بطلعتها وأضوائها البهية، فتحت لها الزروع صدورها الندية، فعانقتها وطوقتها بقلائدها الذهبية. وحينئذ تري الفلاحين شيبًا وشبانًا ماضين إلي الحقول بفئوسهم، ويتبعهم بعض نساء القرية وفتياتها من أسرها المتواضعة ممن يعملن في الحقول مع الرجال والفتيان جنبًا إلي جنب، يبذرن الحب، ويسقين الزرع، ويشتلن ــ أو يغرسن ــ شتلات الأرز وغروسه، وينزعن أوراق القطن المصابة من فروعه الخضراء ليصبح معافي من الآفات. حتي إذا تفتح لوزه أو كراته وثماره وتهدلت خُصله البيضاء الناصعة، أخذن يجمعنه ويجنينه، وهن يغنين أهازيجهن الريفية.
السبت، 30 يوليو 2011
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق